ابن حمدون
284
التذكرة الحمدونية
الذي قلَّدني اللَّه عزّ وجلّ من أمر أمة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم ؟ فقال : إنّ ملك الدنيا يؤتيه اللَّه من يشاء وملك الآخرة يؤتيه اللَّه من طلبه في اللَّه ووفّقه ، وإن التوفيق منك إذا أطعته قريب وإذا عصيته بعيد ، وإن الخلافة تكون بإجماع أهل التقوى عليها والعون لمن وليها ، وأنت وأعوانك خارجون من التوفيق ، عالون على الخلق ، فإن سألت اللَّه السلامة ، وتقرّبت إليه بالأعمال الزاكية ، كان في ذلك نجاتك وإلا فأنت المطلوب . قال : فكنت أنا ومالك بن أنس نجمع ثيابنا أن يترشّش علينا من دمه . قال : فقال لأبي حنيفة : ما تقول ؟ قال : المسترشد لدينه يكون بعيد الغضب ، إن أنت نصحت نفسك علمت أنك لم ترد اللَّه باجتماعنا ، وإنما أردت أن تعلم العامة أنّا نقول فيك ما تهواه مخافة سيفك وحبسك ، ولقد وليت الخلافة وما اجتمع عليك نفسان من أهل التقوى ، والخلافة تكون عن إجماع المؤمنين ومشورة ، وهذا أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه أمسك عن الحكم ستة أشهر حتى أتته بيعة أهل اليمن . قال : وقال لمالك : ما تقول ؟ قال : لو لم يرك اللَّه أهلا لذلك ما قدّر لك ملك هذه الأمّة وأزال عنهم من بعد من بينهم ، وقرّب هذا الأمر إلى أهل بيت نبيّه ، واللَّه لقد دحر اللَّه الباطل ، وأنجى أهل بيت نبيّه ، أعانك اللَّه على ما ولَّاك ، وألهمك الشكر على ما خوّلك ، وأعانك على ما استرعاك . قال : فأمرهم فانصرفوا . وقال لي المنصور : خذ معك ثلاث بدر واتبع القوم ، فإن أخذها مالك كلَّها فادفعها إليه ، وإن أخذ ابن أبي ذئب وأبو حنيفة منها شيئا فجئني برؤوسهما . قال : فأتيت ابن أبي ذئب فقال : ما أرضى هذا المال له ، فكيف آخذه لنفسي ؟ وقال أبو حنيفة : ( ما أنفع له إن كان يعطي من يرحم أن يرحم نفسه ممن يعلم ) [ 1 ] ، واللَّه لو ضربت عنقي على أن أمسّ منها شيئا ما مسسته ؛ فأتيت مالكا فأخذها كلَّها . فأتيت المنصور فأعلمته وبهذه الصيانة حقنوا دماءهم .